جرائم الاتجار بالبشر.. انتشال جثامين مهاجرين بعد تحرير مئات المحتجزين في ليبيا
جرائم الاتجار بالبشر.. انتشال جثامين مهاجرين بعد تحرير مئات المحتجزين في ليبيا
كشفت عملية إنسانية مؤلمة نفذتها فرق الهلال الأحمر الليبي السبت في مدينة أجدابيا عن فصل جديد من فصول معاناة المهاجرين في ليبيا، بعدما تم انتشال 21 جثمانا تعود لمهاجرين قضوا ضحية الاحتجاز القسري والتعذيب على أيدي شبكات الاتجار بالبشر، وأعاد المشهد الذي تكشفت تفاصيله إلى الواجهة حجم الجرائم المرتكبة في الخفاء بحق مستضعفين دفعهم الفقر والحروب إلى طرق هجرة محفوفة بالموت.
انتشال الجثامين وسط تنسيق أمني
بحسب بيان نشره الهلال الأحمر الليبي على صفحته على فيسبوك –اطلعت عليه "جسور بوست"- نفذ فريق وحدة إدارة الجثامين في قسم الحماية والهجرة بالجمعية فرع أجدابيا، السبت، عملية انتشال الجثامين بناء على بلاغ رسمي من النيابة العامة، وبالتعاون مع جهاز المباحث الجنائية بأجدابيا وجهاز الأمن الداخلي واللواء 166، وجرت العملية في موقع تم اكتشافه لاحقا كمقبرة تضم ضحايا من المهاجرين قتلوا بعد تعرضهم لانتهاكات جسيمة، في واحدة من أكثر القضايا قسوة التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
وبحسب ما ورد في جمعية الهلال الأحمر الليبي، جاءت عملية انتشال الجثامين في إطار سلسلة تدخلات إنسانية باشرها الفرع خلال الأسبوع الماضي، عقب تحرير 195 مهاجرا كانوا محتجزين قسرا لدى أحد المهربين، وأوضح البيان أن هذه الجهود تأتي في سياق دعم السلطات الليبية المختصة، والحفاظ على الكرامة الإنسانية، والتخفيف من معاناة المهاجرين الذين تعرضوا لظروف غير إنسانية.
إنقاذ أحياء يحملون آثار التعذيب
لم تقتصر تدخلات الهلال الأحمر في ليبيا على التعامل مع الموتى، بل شملت إسعاف ناجين يحملون آثار العنف، فقد أسعفت فرق الطوارئ عددا من المحررين الذين أصيبوا بأعيرة نارية، ونقلتهم إلى مستشفى الشهيد امحمد المقريف لتلقي الرعاية الطبية اللازمة، كما قدمت الفرق مواد نظافة شخصية للنساء والرجال المقيمين في أحد مراكز الإيواء، في محاولة لإعادة الحد الأدنى من الكرامة لمن نجوا من قبضة المهربين.
في وقت سابق من صباح اليوم نفسه، أعلن مكتب النائب العام الليبي تخليص 195 مهاجرا من الاحتجاز القسري لدى تشكيل عصابي امتهن تنظيم الهجرة غير القانونية والاتجار بالبشر في مدينتي الكفرة وأجدابيا، وأكد البيان أن هذه العصابة كانت تحتجز المهاجرين في ظروف قاسية، مستخدمة العنف والتعذيب كوسيلة ضغط لابتزاز ذويهم وإجبارهم على دفع فدى مالية مقابل الإفراج عنهم.
مسار قضائي لمحاسبة الجناة
أوضح مكتب النائب العام أن التحقيقات كشفت تعرض المهاجرين المحتجزين لضروب متعددة من التعذيب، مشيرا إلى أن عددا منهم لقوا حتفهم نتيجة هذه الممارسات، وأشار البيان إلى اكتشاف مقبرة تضم جثامين 21 مهاجرا، وصفوا بأنهم من المستضعفين الذين قتلوا بدم بارد، في جريمة تهز الضمير الإنساني وتكشف وحشية شبكات الاتجار بالبشر.
في إطار المساءلة القانونية، باشر وكيل النيابة بمكتب المحامي العام في بنغازي التحقيق مع متهم موقوف يدعى م ف ح، في ثلاث دعاوى عمومية رفعتها النيابة ضده في وقت سابق، وتتهمه النيابة بارتكاب جرائم قتل مهاجرين والمتاجرة بالبشر، تمهيدا لإحالته إلى قضاء الحكم، وتعد هذه الخطوة جزءا من مسار قضائي يهدف إلى عدم إفلات المتورطين من العقاب.
إجراءات فنية لتحديد الهوية
وأمر المحقق المختص بجمع عينات البصمة الوراثية من جثث المهاجرين، وإجراء متطلبات التشريح اللازمة، في مسعى لتحديد هويات الضحايا وإبلاغ ذويهم، إن أمكن، كما وجه الضابطة القضائية باتخاذ جميع التدابير الضرورية لتفكيك التشكيل العصابي بالكامل، وملاحقة بقية أفراده الذين لا يزالون فارين من العدالة.
تعكس هذه القضية حجم المأساة التي يعيشها المهاجرون في ليبيا، حيث تتحول رحلة البحث عن الأمان والعمل إلى كابوس من الخطف والتعذيب والموت، وتؤكد منظمات إنسانية أن كثيرا من الضحايا لا يتم توثيق مصيرهم، فيما تبقى عائلاتهم في بلدانهم الأصلية معلقة بين الأمل والانتظار.
دور إنساني في ظروف قاسية
تبرز في هذا المشهد جهود الهلال الأحمر الليبي كخط دفاع إنساني أخير في مواجهة واقع معقد، حيث تعمل الفرق الميدانية في ظروف أمنية صعبة، وتتعامل مع آثار نفسية وجسدية قاسية خلفتها الجرائم، ويشير متابعون إلى أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا يمكن أن تعوض غياب حلول جذرية لأزمة الهجرة غير النظامية.
تشكل ليبيا منذ سنوات إحدى أبرز نقاط العبور الرئيسية للمهاجرين غير النظاميين القادمين من دول إفريقيا نحو السواحل الأوروبية، ومع حالة الانقسام السياسي وضعف السيطرة الأمنية في بعض المناطق، ازدهرت شبكات تهريب البشر والاتجار بهم، مستغلة هشاشة المهاجرين وحاجتهم الماسة للهروب من الفقر أو النزاعات، وتوثق تقارير أممية ومنظمات حقوقية دولية انتهاكات واسعة تشمل الاحتجاز القسري، التعذيب، العنف الجنسي، والعمل القسري، وصولا إلى القتل، ورغم الجهود التي تبذلها السلطات الليبية والمنظمات الإنسانية لتفكيك هذه الشبكات، لا تزال الظاهرة تشكل تحديا إنسانيا وأمنيا كبيرا، يتطلب تعاونا دوليا أوسع، ومعالجة شاملة لأسباب الهجرة، وضمان حماية فعلية للمهاجرين وحقوقهم الأساسية.











